قبل أكثر من عقد على عملية أجهزة "البيجر" التابعة لحزب الله، اختبر "الموساد" النموذج نفسه في صفقة موجهة إلى إيران: تأسيس شركة تجارية واجهة تبدو مستقلة، والدخول في سلسلة توريد المعدات، ثم بيع منتج يتم برمجته لخدمة هدف أمني.
وكانت صفقة خوادم "IBM" الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني نموذجًا مبكرًا لهذا الأسلوب؛ السيطرة على سلسلة الإمداد من خلف اسم شركة يعتقد المشتري أنها مؤسسة تجارية عادية.
كما أن محاولات إيران شراء منتجات خاضعة للعقوبات الأميركية سهلت على إسرائيل تنفيذ العملية.
وكانت "IBM" من بين الشركات التي لم تتعامل مع إيران منذ صيف 1995.
وقد ورد في موقف للشركة: "تلتزم IBM بجميع العقوبات الاقتصادية الأميركية، ولا تملك أي شركة تابعة أو مرتبطة أو ترتيبات استثمار مشترك أو شريك تجاري أو عمليات أخرى في إيران، كما تحظر عقودنا مع شركائنا التجاريين صراحة نقل منتجاتنا إلى إيران".
وطُلب من "كيا" إجراء الترتيبات اللازمة لشراء ونقل خادمين من طراز "IBM z10"، وهما من المنتجات ذات الاستخدام المزدوج والخاضعة للعقوبات، من ألمانيا إلى إيران.
وكان يفترض ظاهريًا أن تُشترى هذه الخوادم لصالح شركة تقدم خدمات فنية مصرفية داخل إيران، نظرًا إلى استخدامها في القطاع المصرفي أيضًا.
وأبرمت شركة "داده بردازي إيران"، التي تنفذ خدمات مرتبطة بالبنوك في إيران، عقدًا مع شركة "مبين تجارت أنزلي"، على أن تتولى الأخيرة شراء الأجهزة ونقلها إلى دبي عبر شركة ألمانية وسيطة.
وتعد "داده بردازي إيران" الامتداد القانوني والتشغيلي لفرع "IBM" السابق داخل إيران، وكانت من الموردين التقليديين للبنية التحتية الحاسوبية للشبكة المصرفية الإيرانية.
ومنذ بداية عقد التسعينيات في إيران، كانت تزود البنوك الإيرانية بالمعدات والبرمجيات النظامية وخدمات التركيب والدعم.
وتُظهر وثائق، اطلعت عليها "إيران إنترناشيونال"، مراسلات بشأن شراء هذه المعدات.
وفي الخطاب الأول، المؤرخ في 21 أغسطس 2012، وردت إشارة إلى عقد شراء خادمين من طراز "IBM z10"، وطلب مرسل الخطاب من "داده بردازي" الامتناع حتى إشعار آخر عن دفع مليوني يورو إلى شركة "آتوسا" الوسيطة في ألمانيا، بسبب التأخر في شراء الجهازين.
وفي خطاب ثانٍ بتاريخ 5 سبتمبر (أيلول) 2012، أبلغت شركة "مبين تجارت أنزلي" شركة "داده بردازي" بأن شركة "آتوسا" الألمانية حددت النماذج المتوافرة للشراء من خوادم "IBM 2097-E64" بالمواصفات الفنية المطلوبة.
وكانت "IBM" قد أعلنت في 12 يوليو 2011 وقف البيع الرسمي لهذا الطراز، ولم يتضح ما إذا كانت الأجهزة التي قالت "آتوسا" إنه يمكن شراؤها مستعملة أو مجددة أو مخزونًا قديمًا لدى أحد البائعين.
وبحسب "كيا"، كانت الخوادم مملوكة لشركة فرنسية، وكان من المفترض أن تشتريها "آتوسا" الألمانية وتبيعها إلى شركة إماراتية تتعامل مع شركات إيرانية.
ثم تبيع الشركة الإماراتية الشحنة إلى شركة صورية في طاجيكستان، وبعد ذلك تُرسل إلى "بندر عباس" في إيران تحت عنوان نقل بري ترانزيت إلى طاجيكستان.
وكان المخطط يقضي بإخراج الخوادم من الشحنة داخل إيران، واستبدالها بجهازين مزيفين يواصلان الرحلة إلى طاجيكستان، ليُسجل دخولهما في جمارك ذلك البلد، وبذلك لا ينكشف مسار الالتفاف على العقوبات.
والتقى "كيا" مدير شركة "آتوسا"، محمد علي صالحي، في ألمانيا، وتوجه معه ومع خبير إلى مستودع في ضواحي باريس لفحص مواصفات الأجهزة والموافقة على شرائها.
وبعد الموافقة الفنية، نُقلت الخوادم إلى فرانكفورت، ثم عاد "كيا" مع خبير إلى ألمانيا مرة أخرى لفحص الأجهزة قبل إرسالها إلى دبي.
ويقول "كيا" إنه كشف الشحنة خلال هذه الرحلة الثانية: "في هذه الرحلة تحديدًا، سلمت معلومات الشحنة إلى المكتب الاتحادي الألماني للاقتصاد والرقابة على الصادرات وإلى الشرطة، ثم عدت إلى إيران".
وصودرت الخوادم في مطار فرانكفورت، كما أوقف صالحي مؤقتًا.
وبعد ذلك أصبح استمرار نشاط شركة "آتوسا"، التي كانت تتعامل مع النظام الإيراني، بلا جدوى، وأعلنت إفلاسها في 15 أغسطس 2013.
وقدمت التصرفات المالية لصالحي ذريعة مناسبة لـ "كيا" لإلقاء مسؤولية انكشاف شحنة "IBM" على ما وصفه بإنفاقه المريب.
وقال: "قلت إن صالحي بعد حصوله على المال نقل جزءًا منه من دبي إلى ألمانيا، وباع منزله واشترى منزلاً أكبر وقام بتجديده؛ وهو سلوك أثار حساسية الأجهزة الألمانية وربما دفعها إلى وضعه تحت المراقبة".
لكن الفخ الذي نصبه "الموساد" هذه المرة كان أكبر مما سبق أن واجهه النظام الإيراني.
ويقول "كيا" إنه هو من اقترح شراء بديل: "قلت في اجتماع تقييم الوضع إنني خلال هذه الرحلات والمحادثات مع الخبراء حصلت على معلومات عن شركة في بولندا تمتلك خادمين مطابقين تمامًا لما نريده ومستعدة لبيعهما لنا، لكنها تطلب سعرًا أعلى لأنها ستسلم الشحنة بنفسها في دبي".
وقد قامت شركة واجهة تابعة للموساد في وارسو ببرمجة هذه الشحنة، وبعد إبرام الاتفاق والحصول على الدفعة المقدمة نُقلت الخوادم إلى دبي، ثم تواصلت الشركة مع "كيا" لاستلام بقية المبلغ.
ويقول: "توجه معي خبيران من شركة داده بردازي إلى دبي وفحصا الخوادم. قال الخبيران إن كل شيء سليم وإن المواصفات مطابقة تمامًا لطلبنا".
ووصلت هذه الخوادم، التي تم اختراقها ماديًا، إلى إيران في نهاية المطاف.
وبعد تسليمها إلى منظمة الطاقة الذرية، جرى تركيبها في منشآت نطنز النووية.
وبحسب تأكيد مصدر "إيران إنترناشيونال"، كانت هذه الخوادم ترسل إلى "الموساد" المعلومات التي تتم معالجتها داخل المنشأة.